محمد بن زكريا الرازي
85
منافع الأغذية ودفع مضارها
الجمد والثلج والذي قد أذيب فيه الثلج والجمد ، وفي ماء القنى « 1 » وماء الآبار التي لا تجري والأدوية ، وفي الماء الذي يغلى ثم يشرب ، وفي ماء القطر وماء المطر . وكذلك ، ينبغي أن نقول فيه بمقدار ما يليق بغرض كتابنا هذا ، أعني أن نذكر من ذلك ما هو النافع والمطلوب فقط دون العلل والأسباب ، فنقول إن الجمد يفضل بعضها على بعض بحسب فضل الذي منه كان ، فيكون الكائن عن الماء الذي هو أجود أجود وعن الماء الذي أرادأ أردأ . الجمد في الجملة والثلج وأما الثلج فيختلف بحسب المواضع التي يقع عليها . فإنه ربما يقع على جبال ومعادن كبريتية وزاجية « 2 » ونحوها . فما كان فيه من هذين طعم مستبان أو رائحة منكرة فرديء ، لا ينبغي أن يستعمل . فإن لم يكن بد من استعماله أصلح وتلوحق ضرره على ما سنبين ونقول فيه عند ذكرنا الماء الرديئة . وما كان فيه تغير من ريح أو طعم أو لون منكر فهو أردأ ، فليختر السليم . وأما الجمد فإن كان من ماء جيد مختار ، فلا كثير فرق بينه وبين الثلج النقي . إلّا أن الماء المبرد به أبطأ انحدارا عن فم المعدة ، ومن أجل ذلك يكون أصلح لمن يحتاج إلى التبريد الشديد كالمحمومين والملتهبين « 3 » ، وأردأ لمن لا يحتاج إلى ذلك . ومن يؤذيه الماء البارد جدا ، وإنما تضطر إليه الشهوة ، فإنه لا يمكنه أن يشرب غير الصادق البرد . فأما إذابة الثلج والجمد في الماء وتبريد الماء بهما من خارج ، فإنه إذا كان الماء ماء جيدا مختارا ، وكذلك الثلج والجليد ، لم يكن بين ذلك فرق بتة ، اللهم إلّا أن لا يبرد الماء بهما من خارج بقدر ما يبلغ برده برد الماء العذاب فيه الجمد والثلج . فأما إذا كان الماء جيدا والجمد والثلج رديئين فتبريده بهما من خارج أصلح من إذابتهما فيه ، وبالضد .
--> ( 1 ) القنى : جمعها ( الأقنية ) الوافي والمجاري المائية التي تجري فوق سطح الأرض . ( 2 ) الزاجيّة : الأرض التي يوجد فيها خلط بأملاح ومعادن أو ما شابه ذلك . ( 3 ) الملهبون : المصابون بالتهابات في الخوانيق أو المعدة أو المفاصل أو ما شابه ذلك .